عرائس صغيرات

الطفلة اليمنية "ندى الأهدل" التي قالت "لا"!

حدثوها كثيراً عن الفستان الأبيض ولكن مشهد النيران المشتعلة في جسَدي كل من خالتها وأختها بسبب ذلك الفستان حوّل فكرة ارتداؤه إلى قصة مرعبة.

سترتدين يا ندى اليوم فستان زفافك، تلك العبارة التي غيرت حياة الطفلة اليمنية ندى الأهدل.

كانت في الـ 11 من عمرها عندما رفضت ارتداء الفستان الأبيض وقررت الوقوف ضد مجتمع ينظر الكثيرون فيه إلى زواج القاصرات كأمر مبرر!

في هذا الحوار الذي أجرته Tiny Hand مع ندى سنتجول في محطات من حياتها بداية من مدينة زبيد في محافظة الحديدة اليمنية حيث حفل الزفاف الذي لم يتم، وصولاً إلى العاصمة البريطانية، 7 أعوام من حياة ندى!

مقطع الفيديو الذي غيّر حياتها

نشرته وهي بعمر 11 عاماً

في صيف 2013 من شهر يوليو، كان الطقس حاراً في مدينة زبيد اليمنية ففصل الصيف معروف بقساوته على أهلها،  لكنه لم يكن بقساوة الكلام الذي قالته الطفلة ندى ابنة هذه المدينة في مقطع فيديو لم تتجاوز مدته دقيقتان.

حينها تحدثت عن هروبها من منزل والديها رفضاً لفكرة تزويجها، وعن خالتها التي أحرقت نفسها بالغاز وماتت وأختها التي حاولت أيضاً قتل نفسها حرقاً لتنقذ نفسها من الزواج، وعن الكثيرات من الفتيات اللواتي يتمنين الموت.

عن ذلك اليوم تقول ندى لـ Tiny Hand عندما "قامت أختي بحرق جسدها  وتعرضت لحروق خطيرة قررت عائلتي تقديمي عوضاً عنها للعريس المتقدّم للخطبة، لذلك قررت الهرب واللجوء إلى وزارة الداخلية وسجلت مقطع الفيديو هذا شرحت فيه للعالم كل ما مررت به".

انتشر المقطع هذا كالنار في الهشيم وتعاطف الكثيرون مع ندى الطفلة بكلماتها العفوية ودموعها المحبوسة في عينيها الحمراوتين، للمصادفة كانت ترتدي فستاناً أبيضاً، لكنه بالتأكيد لم يكن فستان زفافها لأنه لم يتم وألغي.

فالزواج بالنسبة إليها كان مرتبطاً بمشهد خالتها التي ماتت بعمر الـ 13 هي لن تنسى منظرها وهي مغطاة بالكفن الأبيض والحروق تملؤ وجهها، "ذلك المشهد رافقني في أحلامي وكوابيسي، خلق بداخلي إيماناً بأنني لن أسمح بذلك أن يحصل مرة أخرى مع أي طفلة تْرغم على الزواج" تقول ندى.


تلك الصورة المحزنة لخالتها سترافقها لاحقاً في كل محطات حياتها وهي تبذل كل جهدها للتقليل من زواج القاصرات.

في ذلك الصيف قضت ندى أيامها في منزل عمها، على أمل أن يغيّر أهلها موقفهم من فكرة تزويج طفلة!

الجدل حول زواج الأطفال ليس جديداً في اليمن

لكن الصراع في البلاد أدى إلى تفاقم الأوضاع وارتفاع المعدلات

ندى... بعد مرور عام على الهروب!

لم تكن عائلة ندى سعيدة بما حصل، فانتشار فيديو عن قصة ابنتهم بالتفصيل وتعاطف الكثيرين معها وضعهم وجهاً لوجه أمام الأمر الواقع لن يتم زواج ندى!

اجتمعت الطفلة العروس بعمها، وحصلت على الطلاق بشكل رسمي ووقّع والدها على تعهد بعدم تزويجها قبل بلوغ سن الثامنة عشر ومن خلال وزارة الداخلية تم نقل المسؤولة القانونية عنها إلى عمها.

الأوضاع داخل تلك العائلة لم تكن أقل اضطراباً من الأوضاع في البلاد التي كانت تشهد حرباً وصراعات بين المتنازعين على السلطة والحكم.

لكن كل ذلك لا يهم ندى، المهم الآن أنها نجت من الزواج الذي لا "تفقه فيه شيئاً" تقول ندى "الضحايا في عائلتي جعلوني أشعر بخطر الموت وأنني الضحية التالية".

ولكنني نجوت!

والآن حان الوقت لإعادة العلاقة مع عائلتها الأمر الذي ساعدها فيه عمها، فبعد مرور عام عادت المياه إلى مجاريها بين الفتاة وأسرتها وعن ذلك تقول ندى "بمساعدة عمي استطعت تغيير قناعات أهلي حول الزواج المبكر، واليوم هم أكبر الداعمين لي في مشواري بالدفاع عن الفتيات وحقوق المرأة".

لكن الاستقرار داخل العائلة لم يكن يعني بتاتاً الاستقرار في حياتها فهي لا زالت معرضة للخطر داخل اليمن.

ففي عام 2015 تم اختطافها وعمها من قبل عناصر تنظيم القاعدة، 14  يوماً من الرعب عاشتها ندى إلى أن تم الإفراج عنهما بعد اغتيال محافظ عدن السابق حينها اضطر عناصر التنظيم إلى تغيير مواقعهم  و أفرجوا عن الأسرى!.

حياة جديدة كتبت لندى مرة أخرى، فصولها الأولى تم نشرها في كتاب "ندى الصباح" الذي ترجم لعدد من اللغات وأصدرته دار نشر فرنسية.

"ندى الصباح"

أصوات أطفال الحروب

لم يكن كتاب "ندى الصباح" فقط  ما حاولت من خلاله ندى نقل تجربتها وتقديم المساعدة للأطفال مثلها، ففي عام 2017 أسست مؤسسة حملت اسمها ودشنت من خلالها 3 مشاريع، وعن هذه المشاريع تشرح لنا ندى بقولها:

المشروع الأول وهو "أحلامنا تتحقق" لتعليم الفتيات اللغة الانكليزية واستفاد من هذا المشروع 600 فتاة في 6 محافظات يمنية.

المشروع الثاني وهو "ملاذات آمنة" يؤمن ملجأ للفتيات الضحايا للزواج المبكر أو العنف الأسري وقد استفاد منه 63 فتاة.

المشروع الثالث وهو "أطفال الحروب سفراء السلام" وهو منصة إعلامية لنشر الوعي بأهمية حقوق الفتيات ومخاطر توقفهن عن التعليم.

وكان تلك المشاريع سبباً في نيل ندى ومؤسستها جائزة WITH AND FOR GIRLS في عام 2019 بلندن كواحدة من أهم المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الفتيات في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا.

تقول ندى "ربما لم تكن هذه الجائزة موجهة للفريق كاملاً، لكنها أعطتنا أملاً كبيراً وحافزاً للاستمرار والعمل من أجل الضحايا القاصرات في اليمن".

فندى تؤمن أن الوعي هو عامل أساسي لإنقاذ الفتيات من العنف الممارس ضدهن، ومع الوقت "أصبح المجتمع هو من يطالب ويحارب من أجل حماية الفتيات وهذا الأمر خطوة عظيمة" بحسب كلام ندى.

وخاصة مع وجود الكثيرين ممن يعتبرون أن زواج القاصرات أمر عادي مبررين ذلك بعادات المجتمع وتقاليده وهنا يكمن التحدي تقول ندى "هذا الأمر غير مبرر ويجب إيقاف كل الزيجات من قاصرات مهما كانت أسبابه، فالقضايا التي تصل إلى المؤسسة هي قضايا حساسة ونعمل على مساعدة الضحايا".

لكل طفلة تجد نفسها أمام قرار الزواج القسري:

"عليكِ تبليغ كل أفراد العائلة برفضك للأمر، واطلبي المساعدة منهم أو من الأقارب أو الجيران أو صديقاتك، حاولي التواصل مع المنظمات القريبة منك وابحثي عبر الانترنت عن وسائل للنجاة "تقول ندى.

وخاصة أن معظم الدول ملزمة باتفاقية حقوق الطفل وقوانين الأمم المتحدة وملزمة بتنفيذها.

"هناك ضريبة للتغيير، فالمجتمع لن يقف بجانبي عندما أحاول أن أغيّر عادات وتقاليد بالية وظالمة" ندى

لماذا كل ثانية مهمة في زواج الفتيات القاصرات؟

أدى الفقر المزمن في اليمن، الذي ازداد بسبب الحرب، إلى تفاقم وضع الزواج المبكر، حيث يعتمد حوالي 24 مليون يمني على المساعدات الإنسانية، في عام 2017 أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن 52٪ من الفتيات والنساء اليمنيات قد تزوجن قبل سن 18.

بين عامي 2017 والعام 2018 أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن زيادة ثلاثة أضعاف في زيجات الأطفال دون سن 18 عاماً. 

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أنه في مواجهة الفقر المتزايد، لا يستطيع الآباء تحمل رعاية الأطفال ويعتقدون أن أسرة الزوج يمكن أن توفر حماية أفضل.

مع العلم أن قانون الأحوال الشخصية في اليمن يحدد سن الزواج الأدنى بخمسة عشر عاماً، وهو أمر لا تلتزم به عائلات كثيرة. 

كل تلك المعطيات كانت واضحة ومعروفة بالنسبة لندى تقول "في كل ثانيتين في العالم يتم تزويج طفلة تحت سن الـ18، ما يفرض علينا تكثيف جهودنا وتركيزنا في كل ثانية تمر علينا حتى نحمي ونؤمن لكل فتاة حقها في الحياة وفرصة للنجاة".

فكل ثانية لها قيمتها عند ندى خلال سعيها في تحقيق حلمها بأن "ترى عالماً تعيش في النساء والفتيات وهن يتمتعن بحقوق متساوية مع الذكور، وأن تكون شريكة في بلدها تتبوأ مناصب قيادية وأن تكون جزءاً من القرار السياسي والاقتصادي إلى جانب الرجل تشارك معه في بناء الوطن وتحارب الجهل والإرهاب والعنف" على حد كلام ندى.

وكي تحقق هذا الحلم تحرص ندى اليوم على إتمام دراستها الجامعية في مجال القانون الدولي، والسبب كما تقول ندى " كي تصبح واحدة من المحاميات اللواتي يعملن على تغيير الأنظمة العالمية بما يتناسب مع حياة الشعوب ليتمتع الجميع بالكرامة والاحترام".

وستعمل إلى جانب ذلك على مؤسستها "مؤسسة ندى" علّها تصبح يوماً من أهم المؤسسات في العالم والأكثر تأثيراً على الأرض وجزءاً من عملية تغيير حياة المرأة في المجتمعات التقليدية.

أين هي ندى اليوم؟

بعيدة آلاف الكيلومترات عن منزل عائلتها في اليمن، تعيش اليوم ندى في العاصمة البريطانية لندن حيث تدرس في المرحلة الثانوية، فاليوم ندى أصبحت بعمر السابعة عشر، تحضر نفسها للالتحاق للجامعة خلال العامين المقبلين.

تبحث عن أسئلة كثيرة تراودها بين صفحات الكتب، تقول "أحاول أن أفهم هذه الحياة بشكل أكبر لماذا تختلف المجتمعات في المعتقدات إذا كان الإله واحد، ومالذي يجبرهم على التعصب لأديانهم ولماذا تكره كل فئة من يختلف عنها" تقول ندى.

ربما كانت تلك الأسئلة سبباً في اهتمام ندى بقراءة الكتب الدينية، وإلى جانب ذلك تهتم بقراءة الكتب المختصة بحقوق الإنسان وتطور وتقدّم الشعوب.

وهي تقرأ مؤلفات مختلفة للكاتبة "نوال السعداوي"، و"تتمنى أن تلتقي بها يوماً ما" تقول ندى.

وكأي فتاة لها اهتماماتها بالسوشال ميديا، وهي بحسب وصفها تحرص على متابعة ردود القراء في مختلف المنصات لكل منشور تشاركه معهم، وتحاول البحث على الطرق للوصول إليهم بشكل أكبر وكيفية التأثير فيهم.

وليس ذلك فقط فندى عيونها موجهة إلى بلدها اليمن وكل من سوريا وليبيا والعراق تلك المناطق التي أنهكتها الحروب منذ أعوام، تقول "أتمنى زيارتها بعد انتهاء حروبها، كي أدخل أكثر في تفاصيل حياة الناس وكيف تغيرت بعد كل ما مرت به".

 فالسؤال الذي يجول ببال ندى وترغب بالبحث عن إجابة له "هل ستتغير عادات وتقاليد الناس في المنطقة العربية بعد حروبها، كما حصل في دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، أو في اليابان بعد انفجار قنبلة هيروشيما، أم أنهم سيتابعون في الطريق القديم الذي أودي بهم إلى حروب ودمار، "كل ذلك يلهمني ويدعوني إلى البحث عن إجابات" تختتم ندى كلامها.

تقول ندى لـ Tiny hand "النجاح يأتي من المثابرة والإصرار والعزيمة ومواصلة العمل، وليس النجاح ما نكسبه في الحياة، وانما النجاح أن نعيش بعد موتنا مئات السنين، وأن نصنع بصمة في حياة البشرية بتغيير حياتهم وثقافتهم فالأمر لا يقتصر على حياتنا في الدنيا فقط".
 إنها حقيقة معقدة قدّمتها فتاة صغيرة، وصلت إلى ما هي عليه اليوم لأنها قالت "لا"!