ملف أطفال سوريا المفقودين في حقبة الأسد  

قد يمر طفلك المفقود بجوارك في الشارع ولن تدرك ذلك

هديل عرجة، خليل العشاوي
Tiny Hand/ يد صغيرة
Image of 2 retro cars in a driveway of a Palm Springs house

"قد يمرّ ابنك المفقود بجانبك في الشارع… ولا تعرفه."

بهذه الكلمات بدأ رامي البشوات، عمّ الطفلة لوتس، حديثه معنا عن واحدة من أكثر الحقائق قسوة، فبعد سنوات من البحث عن آلاف الأطفال المفقودين في سوريا خلال سنوات الحرب السورية وخلال حكم الأسد، تغيّرت الوجوه، تبدّلت الأسماء، وضاعت الهويات.

رامي، الذي فقد شقيقه سامي البشوات في إعدام ميداني عام 2014 بمطار المزة العسكري في دمشق، يقول إنه "محظوظ"، فبعد رحلة من البحث استمرت قرابة العام، عثر على ابنة أخيه الطفلة لوتس، التي أُودعت في دار "لحن الحياة" وهي في عامها الثاني، قبل أن تُنقل إلى منزل ضابط، كانت قد بدأت تناديه "بابا" وتنادي زوجته "ماما".

يقول رامي "لو ما تهيأت النا الفرصة وكان في النا قريب وهو يلي سعا بالموضوع أعتقد للان ما منعرف وينها، في كتير ما عندهم هذه الفرصة التي اجتنا نحنا ولا يعرفون شي عن أطفالهم".

لوتس… كادت أن تكون واحدة من هؤلاء.

لكن قصة لوتس ليست حالة فردية، في هذا التحقيق الاستقصائي نكشف من خلال تتبع عدد من الحالات والوثائق والشهادات كيف تحوّل أطفال معروفو الهوية، بعد اعتقال ذويهم أو فصلهم عنهم، إلى أطفال مسجلين بهويات وأنساب جديدة، ضمن شبكة من المؤسسات الأمنية والاجتماعية التي كانت تعمل في ظل حكم الأسد.

الطفلة لوتس

"لم يتم تغيير النسب"

Image of palm trees Image of palm trees

بداية عام 2014 اعتقلت قوات النظام السوري سامي سلطان البشوات وزوجته وطفلته في دمشق، إلى جانب أقارب آخرين، وصادرت كل ما في المنزل، كما يشرح أخاه رامي البشوات فكونهم يحملون اسم العائلة  "البشوات، كانت مصيبة عالحواجز، بشوات انزل انزل". فالعائلة تنتمي إلى منطقة في ريف دمشق اسمها الذيابية وكانت من بداية المناطق التي ثارت ضد نظام الأسد عام 2011.

لاحقًا، أُفرج عن بعض المعتقلين، بينما بقي سامي وزوجته وطفلته قيد الاحتجاز، تم تحويل سامي إلى المحكمة الميدانية في مطار المزة العسكري وهناك حكم عليه بالإعدام ميدانياً، فيما حُكم على زوجته بالسجن ستة أشهر. 

أما لوتس، التي كانت تبلغ من العمر عامين آنذاك، فقد فصلت عن والديها بقرار رسمي وإحالة أمنية صادرة عن قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي – إدارة المخابرات الجوية. وبناءً على ذلك، تسلمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي أودعتها في دار "لحن الحياة" المخصصة للأطفال مجهولي النسب.

الطفلة لوتس

الطفلة لوتس

بعد ستة أشهر، خرجت الزوجة من السجن، لتكتشف أن طفلتها اختفت، فقد ظنّت عائلتها أن لوتس كانت معها طوال فترة احتجازها، بينما كانت الأم تعتقد أن ابنتها لدى العائلة بعد أن تم فصلها عنها فور دخولها السجن.

تواصل رامي مع أحد الأقرباء وهو من نفس العشيرة، وبحكم موقع القريب وعلاقاته كرئيس لفرع الهجرة والجوازات بدمشق، تمكّن من تتبّع خيوط قادته إلى مكان وجود الطفلة، في عملية استغرقت عدة أشهر.

"الطفلة وضعت أولاً في ملجأ للأيتام" بحسب كلام رامي والذي تبين أنه يقصد بيوت “لحن الحياة” في ضاحية قدسيا، التي كانت تعرف سابقاً باسم دار زيد بن حارثة، وهي دار عرّفت نفسها لسنوات، خلال فترة سيطرة نظام الأسد، بأنها تستقبل فقط الأطفال مجهولي النسب، أي الذين لا يعرف ذووهم.

وبحسب ما علمه رامي البشوات، عم الطفلة، فقد أُخرجت لوتس لاحقاً من الدار وأُودعت لدى أحد الضباط، في خطوة لا تفسرها أي وثيقة رسمية، ولا تظهر ضمن المسار الإداري الموثق لحالتها. ويقول البشوات: "جاء الضابط، ولم يكن لديه أطفال، وبكل بساطة اختار طفلاً جميلاً ليرعاه".

2 cars parked in a driveway, image
Car on sand dunes Car on sand dunes

دار لحن الحياة في ضاحية قدسيا بدمشق

دار لحن الحياة في ضاحية قدسيا بدمشق

يتقاطع ذلك مع ما روته لنا أيضاً سعاد شاهين، التي عملت في هذه الدار قرابة أربعين عاماً في مجالي الطبخ ورعاية الأطفال، وبحكم أنها من الصم، أجرت حديثها معنا بلغة الإشارة، فيما تولّت ابنتها ترجمة شهادتها. وتروي شاهين قصة سيدة ادّعت أمام عائلتها أنها حامل، ثم جاءت لاحقاً إلى الدار وغادرت وهي تحمل طفلاً، وذلك قبل نحو ثماني سنوات.

توضح سعاد أن الدار كانت تستقبل باستمرار أطفالاً جدداً، تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام، منهم من كانت عليه آثار ضرب واضحة كما تقول. 

توضح سعاد أنها كانت تلاحظ تلك العلامات عندما تقوم مع مربيات أخريات بفحص الأطفال فور وصولهم، كانوا يسألونهم عمّا حدث أو من ألحق بهم الأذى، لكن الأطفال لم يكونوا قادرين على الإجابة… "لأنهم صغار" توضح لنا.

خلال عملية البحث، وصلنا إلى وثائق صادرة عن دار “لحن الحياة”، وبالفعل وجدنا اسم الطفلة لوتس البشوات في إحداها، فيها تاريخ دخولها إلى الدار وخروجها منها في نهاية العام 2014، كما تضمنت هذه الوثائق معلومات تفيد بأنه تم استلامها من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي – إدارة المخابرات الجوية، قبل أن يُشار لاحقاً إلى تسليمها لوالدتها.

لكن، ما بين لحظة الاستلام والتسليم، لا يرد أي ذكر لخروج الطفلة من الدار أو نقلها إلى منزل الضابط، وهو ما علمه قريب البشوات الذي تابع القضية، أخبرهم أن الضابط الذي أخذ الطفلة يعيش في منطقة الديماس بريف دمشق".

بجوار البيانات المرتبطة بالطفلة لوتس ظهرت ملاحظة لافتة نصها: “لم يتم تغيير النسب”، وهي عبارة تكررت في أكثر من سجل، إلى جانب أسماء أطفال آخرين أيضاً.

داخل إحدى غرف دار لحن الحياة بدمشق

داخل إحدى غرف دار لحن الحياة بدمشق

استعادة لوتس جاء نتيجة "تدخل استثنائي في الوقت الذي لا يزال الآلاف يبحثون عن طفل مفقود"، بحسب وصف رامي الذي التقينا به من داخل محله بريف دمشق حيث يعمل كمصلح لإطارات السيارات "لولا هذا التدخل من قبل قريبنا والفرصة، ربما كنا حتى اليوم لا نعرف أين الطفلة" يوضح لنا.

عندما عادت لوتس إلى حضن والدتها بعد عام من الفراق، بدت وكأنها لا تعرفها، تعاملت معها كغريبة ورفضت الاقتراب منها، كما لو أنها انتزعت من عائلتها ووضعت في منزل آخر، مشهدٌ ضاعف من ألم الأم، التي قتل زوجها وكادت أن تفقد طفلتها أيضاً.

اليوم لوتس في الصف الثامن تعيش مع والدتها وأقاربها "حصلت على فرصة العودة إلينا، فرصة لم يحصل عليها آلاف أطفال المعتقلين" يقول رامي "بعد عشر سنوات حتى نحن الكبار تغيرت ملامحنا، فكيف يمكن التعرف على طفل تغيّر اسمه ووجهه وكل شيء فيه؟".

لم يتم تغيير نسب لوتس، وعادت إلى عائلتها على النقيض من ذلك، تغيّر نسب الطفلة نيفين وسجّلت كـ“مجهولة النسب”.

Car driving on sand

سعاد شاهين في منزلها

سعاد شاهين في منزلها

Car on sand dunes
New car render

لحن الحياة

لحن الحياة

New car design side on

الطفلة نيفين : "تم تغيير النسب" 

بتاريخ 19/ 09/ 2024 وفي كتاب رسمي رفعته المديرة العامة للهيئة العامة لبيوت “لحن الحياة”، ميس عجيب، إلى مجلس الإدارة، وردت أسماء أطفال عدلت عائلات عن حضانتهم، مرفقة بأسباب العدول ومقترحات التعامل مع كل حالة، ومن بين هذه الحالات، الطفلة نيفين، حيث جاء في الوثيقة:

أسباب عدول العائلة عن الحضانة: “معرفة أهل الطفلة من قبل الأسرة الحاضنة، لا تعد يتيمة”.

المقترحات: “إمكانية إلحاقها بعائلة”.

تتبّعنا مسار نيفين، فتواصلنا مع العائلة الأولى التي احتضنتها.

دخلت الطفلة نيفين إلى دار “لحن الحياة” بعمر ثلاث سنوات في العام  2023 ، بعد ضبط نظمته الشرطة عبر إحدى موظفات الدار، وجاء في الضبط أن الطفلة “لا تجيد الكلام”، ولم تتمكن من تقديم أي معلومات تتعلق بعائلتها أو هويتها.

لكن الرواية التي حصلنا عليها من الأب الذي احتضن نيفين لاحقاً كانت مختلفة تماماً.

فعلى الرغم من مرور نحو عام بين دخول الطفلة إلى الدار وإيداعها لدى العائلة، يؤكد محمد الأب الذي احتضنها أنها كانت قادرة على الكلام، بل وأخبرته عن اسم والدها الحقيقي.

وفي اتصال هاتفي معه، قال “عرفت أهلها… هي بتشبه أمها كتير. ما ضلت البنت عندي 3 أيام، ورجعتها… وزعلت إني رجعتها، بس مو بإيدي.”

وعندما سألناه عن كيفية تسليم الطفلة لهم رغم وجود والديها، وإجراءات الإيداع التي تمت، قال إنه لا يعلم شيئاً عن ذلك.

وهو ما دفعه إلى إعادة لوتس إلى الدار وإنهاء عقد الإلحاق، وفقاً لوثيقة اطلعنا عليها، جاء فيها أنه قرر إعادتها لأنها "طفلة غير يتيمة"، وحتى لا يتعرض لاحقاً للابتزاز أو يُتهم بخطفها.

ولكن بعد أقل من شهرين تم إلحاق نيفين بعائلة جديدة ومختلفة.

تكشف الوثائق أيضاً أنه تم تغيير اسم الأب والعائلة، وتسجيل الطفلة نيفين  كـ“مجهولة النسب” بطلب من الإدارية هنادي الخيمي المعتقلة حالياً ضمن تحقيقات ملف أطفال المعتقلين.

لم تكن حالة نيفين استثناءً.

خلال سنوات الحرب، ظهرت أنماط متشابهة لانتزاع الأطفال من عائلاتهم، وإدخالهم في مسارات إدارية تنتهي أحياناً بهويات جديدة.

أطفال الأزمة


2 vintage cars in a driveway

أطفال الثورة، أو كما عُدِّل لاحقاً إلى “أطفال الأزمة”، تكرر في عدد من الشهادات التي جمعناها، ولم يقتصر على الروايات الشفوية، إذ ظهر أيضاً في ورقة حصلنا عليها من إحدى تلك الدور حيث كُتب العنوان بدايةً “أطفال الثورة”، قبل أن تُشطب كلمة “الثورة” ويُستبدل بها “الأزمة”. وتحت هذا العنوان سُجِّلت أسماء أطفال، بأسمائهم الأولى فقط مع رقم ملف كل واحد منهم.

"أطفال الأزمة" لم يكن مصطلحاً غريباً عن  زينب أبو الهيجاء، التي عملت مشرفة في دار زيد بن حارثة لمدة 15 عاماً، وهذه الدار هي الاسم السابق لبيوت “لحن الحياة”، وتقع في منطقة مساكن برزة بدمشق.

حاولنا البحث عن الدار ولكنها لم تعد موجودة وتغير الاسم والعمل الخاص بها، ولكن خلال سنوات الثورة ورغم انتقال بيوت “لحن الحياة” إلى ضاحية قدسيا، تحوّلت إلى دار لإيواء واستقبال "أطفال الأزمة".

ففي عام 2012 وما بعده، بدأت دار زيد تستقبل أطفالاً من مختلف الأعمار تحت بند“أطفال الأزمة”. تقول أبو الهيجاء “لم نكن نعرف من أين يأتون، لكن بعض هؤلاء الأطفال كانوا يقولون إن أهاليهم في السجن، وآخرون كانوا يصلون وهم حديثو الولادة”.

تضيف أن الأطفال كانوا يبقون في الدار ليوم أو يومين فقط، قبل أن تأتي سيارة من دار لحن الحياة في ضاحية قدسيا لنقلهم إليها، وكان بعضهم ينقل إلى جمعية قرى الأطفال SOS.

كانت الدار تستقبل أطفالاً بشكل شبه مستمر، أحياناً يومياً وأحياناً كل يومين أو أربعة أيام، بأعداد تتراوح بين طفلين وثلاثة في كل مرة. وتذكر أن أعمارهم كانت تتراوح من حديثي الولادة حتى نحو 15 عاماً.

كانت الحافلات تأتي تحضر الأطفال وتأخذهم دون أي أوراق أو إثباتات

لم تكن الجهة التي تحضر الأطفال واضحة، كما تشير زينب أن نقل الأطفال كان يتم دون وثائق، حيث “كانت الحافلات تأتي تحضرهم وتأخذهم دون أي أوراق أو إثباتات”.

وتصف بيئة العمل داخل الدار بأنها كانت شديدة التقييد، إذ كان يمنع على العاملين التواصل مع الخارج أو حتى التحدث مع بعضهم داخل الدار، “كنت أتعاطف مع الأطفال، لكن لم يكن بإمكاننا فعل شيء، كنا فقط نعتني بهم ونخاف من المساءلة”. 

زينب استقالت من العمل في دار زيد بن حارثة عام 2016.

مع سقوط نظام الأسد بتاريخ 8 ديسمبر 2024، كانت الصدمة أكبر من التوقّعات، فبينما انتظر كثيرون لحظة اللقاء بأحبّائهم، لم يعثروا إلا على الفراغ، من كانوا أوفر حظاً وجدوا اسماً على ورقة، أثراً باهتاً يدلّ على وجودٍ ما، وفي تلك الفوضى تسربت وثائق كثيرة، واحترق كثير منها أيضاً، بما حملته من معلومات وأسماء. 

ومن بين تلك الأسماء، ظهر اسمان: نور وشام.

Image of palm trees and car
Red vintage car

زينب أبو الهيجاء

زينب أبو الهيجاء

نور وشام : أختان فُصلتا وحملتا ألقاباً مختلفة لدى عائلتين مختلفتين


2 vintage cars in a driveway

اليوم نور عمرها 14 عاماً في الصف الثامن، فيما تبلغ شقيقتها الصغيرة شام 12 عاماً في الصف السادس، تعيش كل منهما في منزل مختلف، مع عائلة مختلفة، وتحمل كل واحدة منهما نسباً ولقباً مختلفين.

استغرق معنا تتبّع مسار نور وشام قرابة العام، لكشف الرحلة التي مرّتا بها، وكيف انتهت بفصلهما قسراً عن بعضهما وعن والدتهما، وتغيير نسبهما، حيث مرت الطفلتان في مراكز وأماكن مختلفة قبل أن يتم طمس هويتهما الحقيقية، ويطلق عليهما صفة "لقطاء" المصطلح الذي اعتمدته دور الرعاية في توصيفهما، وهو ما قرأناه في عدد من الوثائق الرسمية الصادرة من تلك الدور لتسجيلهم رسمياً في الدولة والسجلات المدنية.

في بداية العام 2015، أُحيلت والدة شام ونور إلى مركز للفتيات المعنّفات أو كما هو متعارف عليه (واحة الأمل للمعنفات) الواقع في منطقة باب مصلى بدمشق.

وهنا ظهرت روايتان.

الأولى عن مصادر من دار لحن الحياة، تتحدث عن سيدة حامل داخل إحدى الباصات الخضراء التي كان يستخدمها الأسد لترحيل المعارضين له إلى الشمال السوري حيث كانت مناطق سيطرة المعارضة، وكانت برفقتها ابنتها نور بعمر يقارب السنتين، بينما كانت حاملاً بشام.

في حين تتحدث رواية أخرى عن سيدة مشردة مع طفلتها نور وحامل بالطفلة شام، تم إحضارها إلى مركز للفتيات من قبل الهلال الأحمر العربي السوري.

تم نقل الطفلتين نور وشام إلى SOS وفصلهما عن والدتيهما

في وقت لاحق من ذلك العام، التقت  حسنية العبدالله بالطفلتين نور وشام مع والدتيهما، داخل مركز الأمل للمعنفات، حسنية كانت سابقاً من نزيلات ‘لحن الحياة’، قبل نقلها إلى مركز المعنفات، كعقوبة لها من قبل إدارة لحن الحياة بسبب سوء سلوكها، وهو أمر تكرر مع الكثير من الفتيات حسب قولها.

"نور كانت حلوة" تقول حسنية "وأختها شام كانت رضيعة".

تتذكر حسنية جيداً اليوم الذي تم فيه نقل الطفلتين من المركز، حينها جاءت سيارة من قرى الأطفال SOS، كانت قد سمعت من مديرة المركز فداء الدقوري المعتقلة حالياً ضمن تحقيقات الأطفال المفقودين، عن نيتها في نقل الطفلتين من المركز إلى قرى الأطفال sos، الأمر الذي تم بالفعل في العام 2016 وتحديداً في شهر نوفمبر بحسب شهادتها.

بعدما غادرت سيارة SOS التي أقلت شام ونور توجهت حسنية للإدارة وسألت المسؤولة عن الدار "فداء الدقوري" عن المكان الذي تم إليه إرسال الطفلتين بدون والدتهما، بداية رفضت الإجابة وعندما أخبرتها حسنية أنها رأت سيارة SOS، "فاعترفت لي أنها بالفعل أرسلتهما إلى هناك" توضح حسنية.

"بعد نقل الطفلتين بأيام هربت الأم من الدار" تقول حسنية.

التقينا هاروت الحارس الذي يعمل هناك منذ عام 2012 وقد حدثنا عن مركز الأمل للمعنفات الذي أصبح لاحقاً جمعية دفا للأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، وأوضح أن المركز الذي كان مخصصاً للسيدات والفتيات المعنفات، كان يستقبل أطفالاً تم إحضارهم من قبل دوريات أو سيارات خاصة

"أنا كحارس، ما بحقلي ادخل بخصوصيات حدا، ما خطر عبالنا نسأل ولا كان في مجال تسألي هالسؤال لحدا" يقول هاروت.

"المركز بمفهومه يجب أن يكون فيه فتيات ونساء معنفات فوق عمر 18، ولكن كان يأتي لهذا المركز أطفال" يختم كلامه موضحاً.

Image of palm trees and car
Red vintage car

حسنية عبدالله

حسنية عبدالله

نقل الأطفال من مركز لآخر من أجل تعقيد عملية التتبع


2 vintage cars in a driveway

الوثائق التي اطّلعنا عليها، تتقاطع مع ما روته حسنية عن نقل شام ونور إلى قرى الأطفال SOS، ففي عام 2016، يظهر اسم موظفة من SOS على ضبط للشرطة والمرتبط بالطفلتين.

تقول لنا إحدى الموظفات السابقات في SOS والتي طلبت عدم ذكر اسمها "لا يحق لقرى الأطفال أو أي دار أيتام أن تستلم أطفالاً بدون قرار من القاضي الشرعي في ظل غياب الأهل، لكن في حال غياب القاضي الشرعي والأهل معاً، تحلّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل محلّهم"، وذلك بحسب قولها لتفادي أي اتهام محتمل بخطف الأطفال، ومن ضمن تلك الإجراءات ولجعل الأمر قانوني، يتم كتابة ضبط شرطة وإجراء فحص طبي للطفل.

 وتوضح أن ذلك هو جزء من المسار الإجرائي والقانوني، لإضفاء شرعية قانونية على عملية إيداع الأطفال.

وهذا ما حدث مع نور وشام، إذ جرى تنظيم ضبط للشرطة لهما في مخفر الميدان على يد موظفة من منظمة قرى الأطفال SOS والتي تم تفويضها رسمياً من قبل المنظمة،  وهناك تم تسجيلهما “مجهولتي النسب”، وجاء ذلك رغم أن SOS تعرّف نفسها بأنها جهة دولية غير حكومية وغير ربحية، تُعنى بتوفير الرعاية الأسرية البديلة للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية.

في الضبط تشير الموظفة إلى أنها استلمت الطفلتين من مركز الأمل للمعنفات ومعها كتاب من رئيسة قرى الأطفال SOS التي كانت حينها سمر دعبول وذلك للموافقة على إحالة الطفلتين للقرى، مشيرة إلى أنها قامت بمعاينتهما لدى الطبابة الشرعية وذلك بتاريخ 1/ 11/ 2016.

وكانت سمر دعبول قد استقالت من منصبها كرئيسة مجلس إدارة SOS في يوليو 2025 مغادرة سوريا، والدها محمد ديب دعبول المعروف بأبو سليم دعبول مدير مكتب رئاسة الجمهورية الذي توفي عام  2021.

بعد يومين من تنظيم ضبط الشرطة لشام ونور، وجّهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كتاباً إلى بيوت ‘لحن الحياة’ بناء على طلب من جمعية قرى الأطفال SOS لنقل شام ونور إلى دار لحن الحياة، وهناك تم تسجيل كل طفلة  بنسب مختلف، وإصدار بيان ولادة لكل من نور وشام، ولكن بأسماء أمهات وآباء مختلفة ونسبين مختلفين.

ضبط الشرطة الذي قامت به موظفة قرى الأطفال sos هو الذي اعتمدت عليه لاحقاً مديرة لحن الحياة هنادي الخيمي المعتقلة أيضاً ضمن تحقيقات الأطفال المفقودين، لإطلاق صفة "لقطاء" على نور وشام متوجهة بكتابين منفصلين من أجل كل طفلة إلى أمانة السجل المدني بدمشق لتسجيهلما رسمياًَ وإصدار بيان ولادة لكل منهما مستندة على ضبط الشرطة كوثيقة تشرع تلك العملية.

ولمعرفة الرأي القانوني حول ذلك، تحدثنا عبر زووم مع زينة علوش الخبيرة الدولية في حماية الأطفال والرعاية الأسرية البديلة، والتي توضح أنه "لا يمكن بأي قانون دولي ولا بحسب اتفاقية حقوق الأطفال، ولا بحسب المعايير الدولية للرعاية الأسرية البديلة الصادرة عام 2009 أن يكون هناك نوع من الفصل القسري بين الإخوة، وبالنسبة لشام ونور هناك سلسلة من الانتهاكات وقعت ولا يمكن أن تختصر بموظف واحد، بل هي نتيجة مجموعة قرارات وفي أغلب الأحيان في قرى الأطفال SOS تأتي من أعلى سلطة".

وهنا تقول علوش إن "ضبط الشرطة، في الأصل، لا يُبنى على مجرد شهادة موظف أو أقوال شخص آخر، فالشرطة لا يجب أن تكتفي بأخذ كلام المُبلِّغ كما هو. فكيف يمكن الاكتفاء بذلك عندما يتعلق الأمر بأطفال يُدَّعى أنهم مجهولو النسب؟"، والأمر الآخر التي حدثتنا عنه علوش أن تحويل الطفلتين من SOS إلى مركز آخر هو أيضاً خرق لمبدأ العمل في القرى التي تنادي بكونها بيت دائم للأطفال وأنها ليست محطة انتقالية، "وهنا يجب أن نسأل سؤال كبير، لماذا انتقل الأطفال من مكان لآخر؟".

مضيفة أنه "يبدو واضحاً أن الهدف من هذا المسار هو خلق محطات إجرائية تسمح بتزوير المعطيات، بحيث يصبح من المستحيل لاحقاً العودة إلى الحقيقة الأصلية"، موضحة أن "هذه ليست عملية تحدث بين ليلة وضحاها، بل هي مسار متكامل يمر بعدة مراحل. وعندما نرى هذا الاستعجال في استكمال الإجراءات، يبدو أن الهدف طمس أي أثر يمكن أن يقود إلى العائلة البيولوجية لهؤلاء الأطفال، ونقل الأطفال من مركز لآخر هو من أجل تعقيد عملية التتبع".

ورغم أن دار لحن الحياة تقدمت بطلب إلى إدارة الأمن الجنائي من أجل إجراء تحليل الحمض النووي DNA للطفلتين شام ونور، والذي اطلعنا على الطلب الخاص به، ومع تأكيد شاهدين رسميين على الملف أنهما شقيقتان ، تم فصلهما وإلحاق كل واحدة منهما بعائلة مختلفة، دون أي صلة تُذكر بماضيها، تواصلنا هاتفياًِ مع الأم البديلة لنور والأم البديلة لشام.

طلبنا إجراء مقابلة معهما إلا أنهما رفضتا ذلك، واقتصر الحديث معهما على الهاتف.

الأم البديلة التي تعيش معها نور، رفضت الخوض في أي حديث عن ماضي نور، معتبرة أن الأمر “شخصي”، وأشارت إلى أن نور تلتقي  بأختها شام  من فترة لأخرى.

بينما نفت ذلك الأم البديلة التي تعيش معها شام، لتقول إنها احتضنت شام عندما "كانت صغيرة جداَ" وبحسب الوثائق التي اطلعنا عليها فقد احتضنها عندما كانت تقريباًَ في الرابعة من عمرها وأن الطفلة لا تعرف شيئاً عن ماضيها وتقول إنها تعيش معها منذ سنوات كابنتها دون أي ارتباط يُذكر بحياتها السابقة، وأخبرتنا أن القرار لشام نفسها في حال ظهر أهلها، مدعية أن الدولة أخبرتها أنه سيتم تخيير الطفلة في حال ظهور عائلتها.

علوش: ضبط الشرطة، في الأصل، لا يُبنى على مجرد شهادة موظف أو أقوال شخص آخر، فالشرطة لا يجب أن تكتفي بأخذ كلام المُبلِّغ كما هو.

ويستخدم مصطلح "الأم البديلة" في الوثائق الرسمية السورية، منها تلك الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو دور الرعاية، حيث يظهر غالباً مصطلح "الأسرة البديلة" أو "الأم البديلة" للإشارة إلى المرأة التي تتولى رعاية الطفل المحتضن داخل الأسرة، أو  على الموظفات اللواتي يقمن بالاهتمام بالأطفال داخل مراكز الرعاية المختلفة.

وكانت السلطات السورية الحالية قد بدأت في العام 2025  حملة توقيفات وتحقيقات واسعة في ملف الأطفال المفقودين وأبناء المعتقلين، شملت الوزيرتين السابقتين للشؤون الاجتماعية والعمل كندة الشماط وريما القادري، إلى جانب عدد من المسؤولين والعاملين السابقين في مؤسسات الرعاية الاجتماعية، بينهم ندى الغبرة ولمى الصواف المديرتان السابقتان لمجمع "لحن الحياة"، ورنا البابا مديرة جمعية "المبرة النسائية" وفي وقت لاحق، أُفرج عن بعض الموقوفين، بينهم الغبرة والصواف، بعد استجوابهم مع استمرار التحقيقات، بينما استمر توقيف آخرين على خلفية الملف. وتأتي هذه الإجراءات ضمن التحقيقات الرامية إلى كشف مصير الأطفال الذين فُصلوا عن عائلاتهم أو أُودعوا في دور الرعاية خلال سنوات الحرب.

Image of palm trees and car
Red vintage car

زينة علوش

زينة علوش

علاء وعبدالله : شقيقان لم يتم الفصل


2 vintage cars in a driveway

نور وشام تم التفريق بينهما كما فرقا عن والدتهما أيضاً، عكس ما حصل مع عبدالله مواليد 2005 وعلاء مواليد 2010 شقيقان بقيا معاً يتنقلان من مكان لآخر، فقد تمت إحالتهما من الفرع الأمني 227 إلى دار "لحن الحياة"، وهناك تم تقديم طلب من قبل وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السابقة، ريما القادري، الموقوفة حالياً ضمن التحقيقات المتعلقة بملف الأطفال المفقودين، الطلب تتحدث فيه مع إدارة ‘لحن الحياة’ بشأن زيارة الطفلين لوالدتهما المحكومة لعشرين عاماً بتهمة ‘تمويل أعمال إرهابية’، بعد انقطاع دام خمس سنوات.


ومن لحن الحياة تم نقلهما إلى منظمة قرى الأطفال SOS، ومرة أخرى، ظهر معنا اسم الموظفة نفسها من قرى الأطفال SOS التي تولت عملية تقديم ضبط الشرطة لشام ونور، لكن هذه المرة هي من استلم الطفلين في عملية النقل هذه، ظهر ذلك واضحاً في وثيقة اطلعنا عليها بعضاً مما جاء فيها "استلمت علاء وعبدالله وهما بصحة جيدة".

 تواصلنا هاتفياً معها لنفهم منها دورها في نقل شام ونور، وللاستفسار عن دورها في نقل علاء وعبدالله لكنها رفضت الحديث معنا والتعليق.

تواصلنا مع المكتب الإقليمي لقرى الأطفال SOS في النمسا،  للحصول على ردّ حول دور الموظفة التي تكرر اسمها في أكثر من ملف.

ردت SOS بايميل رسمي ورد فيه أن تصرف الموظفة تم بموجب تفويض رسمي من المنظمة، وأنها لم تتحرك بصفتها الشخصية، وقالت المنظمة إن الموظفة كانت تعمل ضمن فريق “التواصل وإعادة الدمج الأسري”، وانها "لم تكن لها أي مسؤوليات أو مشاركة في قضايا الأطفال المحالين من قبل الأجهزة الأمنية، ولم تكن مطلعة على أي تفاصيل متعلقة بهم، بل كان يتم ذلك عبر مسؤول حماية الطفل حصراً وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل".

علاء وعبدالله فُصلا عن والدتهما بعد اتهامها بتمويل أعمال إرهابية والحكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وشدد الرد على أن الموظفة "لم يكن لها أي دور في هذه القضايا".

ولكن اسمها ظهر في قضية الطفلتين شام ونور، اللتين تم تغيير نسبهما لاحقاً، كما ورد اسمها أيضاً في قضية علاء وعبدالله، اللذين فُصلا عن والدتهما بعد اتهامها بتمويل أعمال إرهابية والحكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً.

اليوم، لم يعد أي من علاء وعبدالله موجوداً في تلك الدور. وبحسب شهادة  أحد أصدقاء عبدالله، فإنه يعاني من وضع مادي سيئ يتنقل من عمل لآخر في إحدى المناطق بريف دمشق.

Red vintage car
Image of palm trees and car
Red vintage car
Red vintage car

الفرع 227: استغلال الأطفال بأعمال سخرة وتعذيبهم



2 vintage cars in a driveway

خلال البحث عن معلومات تتعلق بالفرع 227 الأمني بدمشق، والذي أحيل منه كل من علاء وعبدالله، وصلنا إلى شهادة أحد المعتقلين السابقين الذي أشار لنا عن وجود أطفال هناك خلال فترة اعتقاله.

يقول لنا توفيق عاشور المعتقل السابق في 227 بأواخر العام 2019،  والذي قابلناه في منزله بريف دمشق، إنه شاهد أطفالاً داخل السجن، مضيفاً أنه تعرّض في إحدى المرات للتعذيب على يد طفل يُدعى "خالد" عرف اسمه عندما ناداه المساعد، الذي طلب منه أن يقوم بسكب الماء البارد على توفيق عاشور في فصل الشتاء.

اقترب منه خالد وقال "سأرش الماء على الحيط وأنت أخرج أصواتاً وكأنك مزعوج منها"، وبالفعل هذا ما حصل يقول توفيق.

يوضح أنه كان يسمع أصوات تعذيب لأطفال لم يستطع تحديد مصدرها بالضبط، لكنه كان يراهم عندما يقومون بأعمال السخرة يقول "إنهم كانوا يحضرون لنا الطعام يحملونه في أوان تفوق أوزانهم".

ولا تقتصر حالات اعتقال الأطفال على روايات فردية، فبحسب تحليل لقرابة 1600 سجل من وثائق فرع تحقيق المخابرات الجوية بين عامي 2011 و2016، يظهر أن مئات الأطفال دون سن الثامنة عشرة وردت أسماؤهم ضمن هذه السجلات، بعضهم اعتُقل مع ذويه أو بشكل منفصل، وخضعوا لمسارات احتجاز وتحقيق مشابهة للبالغين.

وتكشف البيانات أن عدداً من هؤلاء الأطفال لم يخرجوا مباشرة إلى عائلاتهم، بل أُحيل بعضهم إلى دور رعاية ومراكز إيواء، تحت مسميات مثل “ميتم” و“الرعاية الاجتماعية”، من بينها قرى الأطفال SOS، ومراكز إيواء في ضاحية قدسيا "لحن الحياة"، وجمعية المبرة النسائية.

Red vintage car

توفيق عاشور

توفيق عاشور

200 طفل لم يتم إعادتهم بعد سقوط النظام بل التأكد من عودتهم قبل سقوط النظام



2 vintage cars in a driveway

 داخل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تتولى لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين والمفقودين التابعة لـ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مهام توثيق وحصر حالات الأطفال المفقودين.

 حيث تظهر كل يوم أسماء وحالات جديدة، الأمر الذي تخبرنا  عنه مياسة أحمد وهي من أعضاء لجنة البحث عن الأطفال المفقودين.

مضيفة إلى أن ما ذكر حول إعادة 200 طفل وطفلة إلى أسرهم هو سوء تفسير وفهم لكلام وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، "هدول الاطفال لم يكونوا مفقودين أو في مكان آخر أو دولة أخرى ونحن قمنا بإعادتهم، لقد قرأت على وسائل الإعلام تفسيرات خاطئة لكلام الوزيرة، هؤلاء الأطفال لم يكونوا ضائعين ونحن اللجنة من قام بإعادتهم". 

وقد أوضحت أن واحدة من مهام اللجنة هو التأكد من أوضاع الأطفال الذين وردت أسماءهم في ملفات الإحالات الأمنية وتم تسليمهم لعائلاتهم قبل سقوط النظام، حيث قامت بالتحقق من الإحالات الأمنية التي تمت في دور الرعاية، وتأكدوا عبر الهاتف من أوضاع 200 طفل وطفلة الذين تم إعادتهم لعائلاتهم.

وتضيف مياسة "نحن اللجنة لدينا ملفات وإحالات أمنية، وكان علينا التحقق منها لمعرفة من عاد إلى عائلته ومن لم يعد حتى الآن، تحققنا عبر الهاتف من أوضاع نحو 200 طفل لكن هؤلاء الأطفال لم يكونوا مفقودين أو موجودين في أماكن أو دول أخرى ثم أعدناهم واللجنة لم تقم بإعادتهم".

أما مياسة، التي لا يزال زوجها أيضاً في عداد المفقودين ولا تملك أي معلومات عن مصيره، فترى أن أحد أوجه القصور الرئيسية  في متابعة ملف الأطفال المفقودين يتمثل في حصره بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وشددت على أهمية وجود تعاون بين عدة وزارات وجهات معنية لإجراء تحقيقات شاملة، والتحقق من دور كل شخص عمل داخل دور الرعاية والأيتام. وختمت بالقول: "قد يستغرق الأمر وقتاً، لكن لا ينبغي أن يفلت أي شخص متورط من المحاسبة".

من جهته يؤكد فضل عبد الغني مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان  أن ما "كُشف حتى الآن لا يمثل اختراقاً شاملاً في ملف الأطفال المختفين قسرياً، بل يتعلق أساساً بشريحة محددة يمكن تتبعها مؤسسياً،  فالرقم المتعلق بدور الرعاية لا يقيس حجم ملف الأطفال المختفين قسرياً في سوريا. موضحا أن قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقول أن ما لا يقل عن 5,359 طفلاً ما زالوا قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011 حتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بينهم 3,736 طفلاً اعتقلهم أو أخفاهم نظام الأسد السابق. لذلك، فإن ما كُشف حتى الآن يمثل شريحة محدودة من الملف الأكبر، وليس حصيلة نهائية أو قريبة من الاكتمال".

يختتم عبدالغني كلامه برسالة يوجهها لعائلات الأطفال المفقودين "حقكم في معرفة الحقيقة لا يسقط بمرور الزمن، ولا يجوز استبداله بوعود عامة أو بتسوية إدارية، احتفظوا بكل صورة، ووثيقة، وشهادة، ورسالة، واسم موظف، وتاريخ زيارة، ومعلومة عن آخر مكان شوهد فيه الطفل، لا تسلموا النسخ الأصلية إلا بموجب إيصال رسمي ولجهة موثوقة، وحاولوا توثيق كل تواصل مع المؤسسات أو السلطات. وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحميل العائلات عبء البحث وحدها. فالمسؤولية الأساسية تقع على الدولة السورية الحالية، وعلى كل مؤسسة امتلكت أو تلقت أو أخفت سجلات، وعلى المجتمع الدولي الذي أنشأ آليات خاصة بسوريا".

قد يستغرق الأمر وقتاً، لكن لا ينبغي أن يفلت أي شخص متورط من المحاسبة/ مياسة أحمد

قصة لوتس ونيفين وشام ونور، لا تقدّم رواية واحدة، بل تكشف نمطاً متكرراً:

أطفال يدخلون هذه المنظومة بأسماء معروفة … ويخرجون منها بهويات مختلفة، أو دون أثر.

وفي بلدٍ ما يزال عشرات الآلاف من الأشخاص في عداد المفقودين أو المختفين قسراً، تتداخل فيه ملفات الاعتقال والقتل والإخفاء القسري والنزوح وفقدان الوثائق والسجلات الرسمية، يظل ملف الأطفال من أكثر الملفات تعقيداً وغموضاً. فبينما تواصل آلاف العائلات البحث عن مصير أبنائها، يبقى سؤال آخر مفتوحاً: كم طفلاً فصل عن عائلته خلال سنوات الحرب؟ وكم منهم ما زال يعيش اليوم باسم ليس اسمه، ومع عائلة ليست عائلته؟.

Image of palm trees and car
Red vintage car

مياسة أحمد

مياسة أحمد

وبالتوازي مع هذا التحقيق، أُنتج فيلم وثائقي استقصائي بعنوان: "بلا ماض: داخل ملفات الأطفال المختفين في سوريا"

هذا التحقيق الاستقصائي جزء من ملف "المفقودون"

اختفى أكثر من 3000 طفل دون أن يتركوا أثراً، وراء كل وجه قصة، وراء كل قصة عائلة لا تزال تبحث، ولا تزال تتمسك بالأمل.

لقد جمعنا هذه القصص للحفاظ على ذكراهم ومواصلة البحث إلى جانب شهادات وقصص وتحقيقات عن الأطفال المختفين قسراً.